السيد محمد تقي المدرسي
291
من هدى القرآن
ولهذه الآية الكريمة علاقة وثيقة بالدعوة إلى التسابق ، وهي أن المتغيرات السلبية في حياة الإنسان ( المصيبة ) قد تصيبه بالإحباط النفسي الذي يفقده الفاعلية اللازمة للتسابق ، ولا شك أن الإيمان بالقضاء والقدر مانع عن الإحباط في الضراء كما هو حاجز عن الاغترار في السراء لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ لأن اليأس ( التثبط والهزيمة الداخلية ) بسبب التغير السلبي يسلبنا الفاعلية والتحرك . ولماذا نسعى ونسابق إلى هدف لا نصل إليه ؟ ، هذا هو الإحساس والتساؤل الذي يرتسم عند المصيبة ، ولكن لماذا اليأس ، فالمصيبة إما بإرادة إلهية لا سبيل فيها إلا الاعتراف بها والتسليم لإرادة ربنا وحكمته ، وإما تكون بسببنا فنحن إذن قادرون على مقاومتها وتغييرها بتغيير ما في أنفسنا . ولا داعي لليأس ، فقد نجاهد العدو فنفشل وننهزم لأننا متفرقون ، منهزمون نفسيًّا ، ولكننا نستطيع الانتصار عليه إذا اعترفنا بعوامل الهزيمة عندنا فتجنبناها ، واكتشفنا أسباب الانتصار عند العدو فأخذنا بها . وكذلك النعمة يجب ألَّا تدفعنا إلى الغرور والفخر ، فنعتمد عليها بدل الاعتماد على الله ، وهي لا تبقى ، أو ننسى العوامل التي تسببت فيها فتزول وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ لأن الفرح ( الغرور والإحساس بالكمال ) يدعونا إلى التوقف ، كاليأس ولكن بصورة أخرى ، حيث لا نجد دافعا إلى السعي والاستزادة ، وقد بلغنا القمة عند أنفسنا ، بل قد يدعونا إلى الشرك وذلك للشعور بالاستغناء عن الله تعالى . وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ كائنا من كان ، لأنهما صفتان سلبيتان منبوذتان عنده تعالى ، لا يبررهما حسب ولا نسب ولا منصب ولا فضل مادي أو معنوي . ونستلهم من الآية : أولًا : أن الفرح ( والإعجاب بما نملك ) يسبب التكبر على الناس والفخر . ثانياً : أن علاجه يتم بالإيمان بالقضاء والقدر ، وأن ما نملك لم نحصل عليه من عند أنفسنا بل بفضل الله سبحانه ، فلا داعي للتعالي على الناس به أو الفخر والغرور . ثالثاً : أن من يعيش التكبر والفخر يخسر ما آتاه الله ، لأن الله لا يحب كل مختال فخور ، وإذا كانت النعمة من الله فإن زوالها سيكون بيده . [ 24 ] ويضرب الله مثلا على المختالين الذين يفخرون ، ويبين لنا انعكاس فرحهم بالنعم على نفوسهم وسلوكهم بالنسبة للإنفاق ، بعد بيان انعكاسه في النفس والمجتمع الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وإنما يبخلون لأسباب أهمها أمران : الأول : لأنهم يريدون التفاخر والتكاثر ، فهم يزعمون أن الإنفاق يقلل ما يملكون ،